كشفت نتائج البحث الدائم حول الظرفية لدى الأسر، الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط، عن تراجع طفيف في مؤشر ثقة الأسر المغربية خلال الفصل الثالث من سنة 2026، في مؤشر يعكس استمرار حالة القلق بشأن الأوضاع المعيشية والآفاق الاقتصادية، رغم التحسن المسجل مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
وحسب المعطيات المعلنة، استقر مؤشر ثقة الأسر عند 59,2 نقطة، مقابل 60,1 نقطة خلال الفصل الثاني من السنة الجارية، مسجلاً انخفاضاً قدره 0,9 نقطة. وفي المقابل، أظهر المؤشر تحسنا مقارنة بالفصل الثالث من سنة 2025، حين بلغ 53,6 نقطة، أي بزيادة قدرها 5,6 نقاط على أساس سنوي.
وتبرز هذه الأرقام تباينا بين التطور السنوي للمؤشر والتراجع المسجل على أساس فصلي، إذ إن التحسن مقارنة بالسنة الماضية لم يمنع استمرار المخاوف المرتبطة بالقدرة الشرائية وتكاليف المعيشة، وهي عوامل تؤثر في تقييم الأسر لوضعها الاقتصادي الحالي وتوقعاتها بشأن المستقبل.
*- تدهور مستوى المعيشة يهم أكثر من ثلاثة أرباع الأسر
وفي ما يتعلق بالتقييم الذاتي للأوضاع المعيشية، أظهرت نتائج البحث أن 76,3 في المائة من الأسر المغربية صرحت بتدهور مستوى معيشتها خلال الاثني عشر شهرا السابقة، بينما اعتبرت 18,5 في المائة أن وضعها المعيشي ظل مستقراً، في حين لم تتجاوز نسبة الأسر التي أفادت بتحسن مستوى معيشتها 5,2 في المائة.
وتكشف هذه النتائج عن اتساع الفارق بين الأسر التي تشعر بتراجع أوضاعها المعيشية وتلك التي تمكنت من الحفاظ على استقرارها أو تسجيل تحسن، بما يعكس استمرار الإحساس بالضغط الاقتصادي لدى غالبية الأسر المستجوبة.
كما أن ارتفاع نسبة الأسر التي صرحت بتدهور مستوى معيشتها يسلط الضوء على أهمية القدرة الشرائية في تقييم المواطنين لوضعهم الاقتصادي، خصوصا في ظل ارتباط النفقات اليومية بتكاليف الغذاء والسكن والنقل والخدمات الأساسية. غير أن هذه النسب، في حد ذاتها، لا تحدد مقدار التراجع الفعلي في دخل الأسر أو حجم الزيادة في نفقاتها، بل تعكس بالأساس تقييم الأسر لتطور مستوى معيشتها خلال الفترة المرجعية للبحث.
مخاوف متزايدة بشأن البطالة وارتفاع أسعار المواد الغذائية.
ولم تقتصر المؤشرات السلبية على تقييم مستوى المعيشة، بل امتدت إلى توقعات الأسر بشأن سوق الشغل والأسعار. فقد أظهرت نتائج البحث أن 61,3 في المائة من الأسر تتوقع ارتفاع عدد العاطلين عن العمل خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، مقابل 17,3 في المائة تتوقع انخفاضه، ما يعكس استمرار المخاوف المرتبطة بفرص التشغيل.
وفي ما يخص أسعار المواد الغذائية، صرحت 95,9 في المائة من الأسر بأن أسعار هذه المواد ارتفعت خلال الاثني عشر شهراً الماضية، مقابل 0,4 في المائة فقط لاحظت انخفاضها. كما تتوقع 77,9 في المائة من الأسر استمرار ارتفاع الأسعار خلال الاثني عشر شهراً المقبلة، بينما ترجح 21,1 في المائة استقرارها، ولا تتجاوز نسبة من تتوقع تراجعها 1 في المائة.
وتبرز هذه المعطيات حجم القلق الذي يحيط بالنفقات اليومية للأسر، خصوصاً أن المواد الغذائية تشكل جزءاً أساسيا من ميزانيات عدد كبير منها، ما يجعل أي ارتفاع في أسعارها عاملاً مؤثراً في القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية وتدبير المصاريف الشهرية.
*- ضعف القدرة على الادخار واللجوء إلى الاستدانة
وعلى المستوى المالي، أظهرت نتائج البحث أن 58,2 في المائة من الأسر تعتبر أن مداخيلها تغطي نفقاتها، بينما صرحت 39 في المائة بأنها تضطر إلى الاستدانة أو السحب من مدخراتها، في حين لا تتجاوز نسبة الأسر التي تتمكن من ادخار جزء من دخلها 2,8 في المائة.
وتكشف هذه الأرقام عن محدودية هامش المناورة المالية لدى شريحة واسعة من الأسر، إذ إن تغطية النفقات لا تعني بالضرورة القدرة على مواجهة المصاريف الطارئة أو تكوين احتياطي مالي للمستقبل.
وتزداد هذه الصورة وضوحا عند النظر إلى توقعات الادخار، حيث أفادت المندوبية السامية للتخطيط بأن 92,5 في المائة من الأسر لا تتوقع القدرة على الادخار خلال الاثني عشر شهرا المقبلة، مقابل 7,5 في المائة فقط تتوقع إمكانية توفير جزء من دخلها.*- توقعات حذرة بشأن المستقبل
وبخصوص تطور مستوى المعيشة خلال الاثني عشر شهرا المقبلة، تتوقع 51,7 في المائة من الأسر مزيداً من التدهور، مقابل 39,6 في المائة ترجح استقرار أوضاعها، بينما لا تتجاوز نسبة الأسر التي تتوقع تحسناً 8,7 في المائة.
أما فيما يتعلق بوضعها المالي خلال الفترة نفسها، فتتوقع 65,1 في المائة من الأسر استقرار وضعها، مقابل 18,4 في المائة تخشى تدهوره، فيما تأمل 16,5 في المائة تسجيل تحسن. وتعكس هذه التوقعات استمرار الحذر في أوساط الأسر، رغم وجود مؤشرات على إمكانية استقرار الوضع المالي لدى جزء منها.
*-مؤشر يجمع بين الوضع الحالي وانتظارات الأسر
ويذكر أن مؤشر ثقة الأسر لا يقيس مستوى الدخل أو القدرة الشرائية بشكل مباشر، وإنما يستند إلى مجموعة من المؤشرات المرتبطة بتقييم الأسر لمستوى معيشتها، وتوقعاتها بشأن البطالة، ومدى ملاءمة الظرفية لاقتناء السلع المعمرة، فضلاً عن وضعها المالي الحالي وتطوراته السابقة والمستقبلية.
وبذلك، فإن تراجع المؤشر من 60,1 نقطة خلال الفصل الثاني إلى 59,2 نقطة خلال الفصل الثالث من سنة 2026، بالتزامن مع تحسنه مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، يعكس مسارا متبايناً بين التطور السنوي والتغير الفصلي. وتظل المعطيات المتعلقة بارتفاع أسعار الغذاء وضعف القدرة على الادخار وتوقعات البطالة من أبرز المؤشرات التي تساعد على فهم طبيعة المخاوف التي تعبر عنها الأسر المغربية في الظرفية الراهنة.
المصدر: المندوبية السامية للتخطيط، نتائج البحث الدائم حول الظرفية لدى الأسر، الفصل الثالث من سنة 2026.


